14 من جماد الأول 1438 هـ
السيدة
خـديجــة
هي أم المؤمنين "خديجة بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية"، ولدت بمكة عام 68 ق.هـ/556م، كانت من أعرق بيوت قريشٍ نسبًا
وحسبًا وشرفًا، وقد نشأت على التخلُّق بالأخلاق الحميدة، وكان من صفاتها الحزم
والعقل والعفة يلتقي نسبها بنسب النبي في الجد الخامس وهي أول امرأة تزوَّجها،
وأول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين.
كانت رضي الله
عنها تحمل نسبـًا عريقــًا ونشأت وترعرعت في بيت جَاهٍ ووجاهة وإيمان وطهارة سلوك،
كان أبوها سيدًا من
سادات قريش، ويروى أنه وقف وواجه آخر التبابعة من ملوك اليمن وحال بينه وبين أخذه
للحجر الأسود، كما كان ضمن الوفد الذي أرسلته قريش إلى اليمن لتهنئة "سيف بن ذي يزن" عندما انتصر على
الأحباش وطردهم من اليمن بعد عام الفيل بسنتين، وأختها "هالة بنت خويلد" أُم "أبو العاص بن الربيع" الذي تزوج بابنتها
السيدة زينب، وكذلك ابن أختها "الزبير بن العوام" حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمها
"ورقة بن نوفل"، تزوجت مرتين قبل
زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت محط
أنظار شباب قريش وأشراف العرب، فقد كانت فتاة جميلة راجحة العقل كريمة الأصل ومن
أعرق بيوت قريش نسبـــًا.
كانت ميسورةَ الحال ذات
مال وتجارة رابحة، وكانت تستأجر الرجال لتجارتها وتبعثهم بها إلى الشام، ومرت
الأيام ووصل إلى مسامعها ذكر "محمد بن عبد
الله" كريم الأخلاق الصادق الأمين، وندر
أن تسمع في الجاهلية بمثل هذه الصفات، فأرسلت إليه وعرضت عليه الخروج في مالها
تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار.
وخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم في مالها ومعه غلامها "ميسرة" حتى قَدِمَ الشام، وهناك نزل رسول الله في ظل شجرة قريبًا من
صومعة راهب، فاطَّلع الراهب إلى ميسرة وقال: "من
هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟"
قال ميسرة: "هذا الرجل من قريش من أهل الحرم" فقال له الراهب: "ما
نزل تحت هذه الشجرة قَطٌّ إلا نبي"،
ثم باع رسول الله سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد، ولما قدم مكة على السيدة
خديجة بمالها باعت ما جاء به، فربح المال ضعف ما كان يربح أو أكثر، وأخبرها ميسرة
عن كرم أخلاقه وصفاته المتميزة التي وجدها فيه أثناء الرحلة فرغبت في الزواج منه، فتزوجها
وهو ابن خمس وعشرين عام والسيدة خديجة يومئذ بنت أربعين عام.
عاشت السيدة خديجة مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين عامًا، منها خمسة عشر عامًا قبل بعثته وعشر
سنين بعد البعثة أحاطته بكل رعاية وعناية واهتمام.
وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يواصل مسيرته بالاختلاء بنفسه ويتعبد في غار حراء بعيدًا
عن الناس، وكانت السيدة خديجة مشغولة بالأسرة وتوفير ما يلزمها، ومع ذلك كانت تذهب
إليه في غار حراء لتوفر له الأكل والشرب،
وقد قال ابن حجر العسقلاني: "كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما
وقع لغيرها".
كانت تعد له ما يحتاجه
في خلوته من طعام وشراب ومهاد تُجهزه قبل خروجه، وتحمل إليه إن طالت غيبته ما
يكفيه من مؤونه، وفي بعض الأحيان تصحبه في خلوته تخدمه وتؤنسه وتسقيه وتطعمه، ولما
أصبح في عقده الرابع بدأت تظهر له المبشرات يسمعها أو يراها يقظةً أو منامـًا، عن عائشة أم
المؤمنين أنها قالت: أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا
الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء
وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع
إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار
حراء، فجاءه الملك فقال: (اقرأ)، قال: ((ما أنا بقارىء)) قال: ((فأخذني فغطني حتى
بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثانية حتى
بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة،
ثم أرسلني فقال: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ
مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ (3)]العلق 3:1))، فرجع بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
فقال: ((زملوني زملوني))، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ((لقد
خشيت على نفسي))، فقالت خديجة: (كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم
وتحمل الكل وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق)، فانطلقت به خديجة
حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرءًا تنصر في
الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن
يكتب، وكان شيخــًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: (يا بن عم اسمع من ابن أخيك)،
فقال له ورقة: (يا بن أخي ماذا ترى؟) فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما
رأى، فقاله له ورقة: (هذا الناموس الذي نزل الله به على موسى، يا ليتني فيها جذع،
ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أو مخرجي
هم))، قال: (نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك
نصرًا مؤزرًا) ... صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي
وننتقل مع السيدة خديجة
إلى مرحلة جديدة، فمن بعد مرحلة التثبيت والتبشير لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
انتقلت إلى مرحلة المؤازرة والمناصرة والمعاونة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في
تبليغ الدعوة ومواجهة المشركين وإعراضهم وعدوانهم، وكأن الله تعالى اختصها بشخصها
وصفاتها المتميزة لتكون سندًا وعونًا للرسول صلى الله عليه وسلم في إبلاغ رسالة رب
العالمين الخاتمة.
فكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدَّق رسول الله فيما جاء به عن
ربه وآزره على أمره، فكان لا يسمع من المشركين شيئًا يكرهه من ردٍ عليه وتكذيبٍ له
إلا فرَّج الله عنه بها، تثبته وتصدقه وتخفف عنه وتهوِّن عليه ما يلقى من قومه.
وقد تعرضت للإبتلاء في
شأن بناتها .. فقد أُذيت بابنتيها "رقية وأم
كلثوم "عندما
آذت قريشٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بهما، وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد زوج قبل البعثة "رقية" "بعتبة بن أبي لهب" "وأم كلثوم" "بعتيبة
بن أبي لهب"، ولما أراد المشركون أن
يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبوا من "عتبه
وعتيبة" أن يطلقا بنتي رسول الله صلى الله
عليه وسلم فطلقاهما، ثم حزنت مرةً أخرى عندما فارقتها ابنتها "رقيه" من بعد زواجها من "عثمان بن عفان"
وسفرها معه إلى الحبشة، وكانا أول مهاجرين خرجا إلى الحبشة.
وعندما كان الحصار من
قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب من بعد ما تحالفوا بوثيقة ملزمة لكافة قريش بأن
يحاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من دافع عنه، وكتبت بذلك صحيفة علقتها
في جوف الكعبة، وعندما تم البدء في تنفيذ الحصار قررت خديجة أن تترك قبيلتها "بني أسد" أهل القوة
والمنعة، وتلتحق بزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن معه من بني هاشم لتعاني ما يعانونه من جوع وضعف ومأساه، وأقامت
معه في الشعاب ثلاث سنين وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله تعالى.
فالسيدة خديجة مثل وقدوة
يحتذى به في كمال الحكمة وكمال رجاحة العقل، وحسن البذل والعطاء، والمؤازرة
والمناصرة لزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لقبها في الجاهلية "الطاهرة" وصفتها في
الإسلام "المؤمنة العاقلة الحكيمة"، ورد في شأنها عدة أحاديث نبوية عظيمة المعاني وتبين منزلتها عند
الله تعالى ...
عن علي بن أبي طالب رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة)) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة،
باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها،
وعن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، هذه خديجة قد
أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها
ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة،
باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها، وصحيح مسلم، كتاب
فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها
وعن عائشة رضي الله عنها
قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرتُ على خديجة وما
رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها
أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: (كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا
خديجة) فيقول: ((إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد)) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة،
باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها
أنجبت من رسول
الله صلى الله عليه وسلم ستة أولاد "القاسم
– عبد الله – زينب – رقية – أم كلثوم – فاطمة"، وتوفيت السيدة خديجة رضي الله عنها بعد وفاة عم النبي "أبو طالب بن عبد المطلب"
بثلاثة أيام وقيل بأكثر من ذلك، في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث
سنين عام 620م، ولها من العمر خمس وستين عامــًا، وكان مقامها مع رسول الله بعدما
تزوجها أربعًا وعشرين سنة وستة أشهر، ودفنها رسول الله ولم تكن الصلاة على الجنائز
يومئذ، وحزن عليها النبي ونزل في حفرتها، وتتابعت على رسول الله بموت أبي طالب والسيدة
خديجة المصائب لأنهما كانا من أشد المعضدين له المدافعين عنه، فاشتد أذى قريش عليه
حتى نثر بعضهم التراب على رأسه وطرح بعضهم عليه سلى الشاة وهو يصلي، وسُمي العام
الذي مات فيه أبو طالب والسيدة خديجة "بعام
الحزن".
ولم ينسَ رسول
الله محبته للسيدة خديجة بعد وفاتها وكان دائما يثني عليها ولم يتزوج عليها حتى
ماتت إكرامــًا لها، وقد كانت مثلاً وقدوة للزوجة الصالحة الوفية، فبذلت نفسها
ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصرة لدعوته وصدَّقته ونصرته حتى وافتها
المنية،، رضي الله عنها وعن الصحابة أجمعين.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق